SESRIC


مجلة التعاون الاقتصادي والتنمية، مجلد 41 العدد 2
التاريخ : 30 يونيو 2020

لم يسبق للعالم أن شهد أزمة صحية تضاهي في مستوى انتشارها وتأثيرها أزمة جائحة كوفيد-19 التي أدت إلى أزمة بشرية واقتصادية. وطالما أن الجهود الجارية لتطوير لقاح أو مصل مضاد تسير بوتيرة بطيئة، فإن وقت انقشاع هذه الجائحة يبقى غير معلوم. كما أفاد بعض الباحثين بقلق شديد أن الفيروس "قد يبقى بين ظهرانينا للأبد" وبالتالي لا مناص من التكيف مع "الوضع الطبيعي الجديد"، وهو الأمر الذي يحتم على الأنظمة المالية والاقتصادية العالمية بدورها التأقلم مع الوضع. فقد طال كل الاقتصادات على الصعيد العالمي أضرار وخيمة جراء تفشي كوفيد-19، وما تخفيه الأيام قد يكون أعظم. وبحكم أن النظام المالي يساهم إلى حد كبير في جهود الجهات الحكومية والقطاع الخاص الرامية إلى التخفيف من وقع الأضرار السياسية والاجتماعية والاقتصادية على الأفراد في وقت الأزمات، فإن الأثار المتعاقبة لمشاكل السيولة الجارية حفزت تزايد الطلب على المنتجات والخدمات المالية البديلة، وهو الوضع الذي يستدعي مزيدا من التأييد والتطوير لهذه الخدمات للتأقلم مع "الوضع الطبيعي الجديد". وحقيقة الأمر هي أن كوفيد-19 أزمة متعددة الأبعاد. ونظرا لكون منصات التجارة الإلكترونية والاقتصادات الافتراضية ستهيمن على واقع الاقتصاد العالمي في المستقبل، فقد صار لزاما على الجهات الحكومية على الصعيد العالمي تعزيز الاستثمار في البنية التحتية التكنولوجية والتعليم وتنمية المهارات. وينطبق على هذه الجائحة القول الشهير رب ضارة نافعة، ففي الوقت الذي طال فيه ضررها النظم الصحية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فإن من شأن الإجراءات التكيفية اللازم اتخاذها حاليا أن تمهد الطريق لظهور فرص جديدة وفتح المجال لمزيد من الابتكار في المستقبل.

وتبحث المقالات السبع التالية في العوامل المحركة للنمو الاقتصادي  ووضعه الراهن في مختلف الاقتصادات. ونتعرف من خلالها على مدى اعتماد الاقتصاد التركي على قطاع السياحة، ونظام سوق العمل في تونس، والمشاكل القائمة على مستوى سلسلة الإمدادات الغذائية في النيجر، ومدى فعالية نظم المعلومات المحاسبية في البنوك التجارية اليمنية، وشواهد من تركيا وجنوب أفريقيا على ممارسات تخفيف الضرائب، واعتماد البنوك الإسلامية على إنتاج النفط، وتنمية مخصصات الزكاة في إندونيسيا.

يتناول المقال الأول موضوع السياحة والنمو الاقتصادي في تركيا. فقطاع السياحة يعتبر المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي نظرا لمساهمته الكبيرة في تدفق العملات الأجنبية وآثاره المتعددة الأوجه. ويستعرض هذا المقال إيرادات السياحة للفترة ما بين عامي 1995 و 2017 من خلال طريقة تقدير المتغيرات في النمو الاقتصادي في تركيا. وتظهر النتائج مساهمة إيجابية لمركب إيرادات السياحة الإيجابي في النمو الاقتصادي على شكل انحدار متماثل وآخر غير متماثل. ووُجد أن الانحدار غير المتماثل يعبر عن مساهمة سلبية لمركب إيرادات السياحة السلبي في النمو الاقتصادي. ووفقا للانحدار في المتداول من إيرادات السياحة إلى النمو الاقتصادي، هناك تأثير إيجابي بين عامي 2010 و 2015 وتأثير سلبي بين 2016 و 2017.

يقترح المقال الثاني إنشاء منصة جديدة في سوق العمل التونسي لتصنيف الأشخاص العاطلين عن العمل على أساس المهارات بكل وضوح، وذلك من خلال تحليل العوامل التي تؤثر على عملية صنع القرار فيما يتعلق بالشركات وأرباب العمل. ويسمح نموذج المطابقة المستخدم - مقارنة احتمالات التوظيف والخروج من وهدة البطالة وفقا لمعايير مختلفة مثل الضغط على سوق العمل ومعدل البطالة في صفوف الخريجين - بالتوصل لمستويات فهم أفضل لاحتمال الخروج من دوامة البطالة وتحديد الأجور والاستفادة المتوخاة وخلق التوازن. كما يتطرق المقال للتفاعلات بين مختلف الشركاء الاجتماعيين من حيث الضغط على سوق العمل، وكذلك تأثير سياسة تحويل الأرباح الحكومية.

ويتناول المقال الثالث سلسلة الإمدادات الغذائية وتوزيعها في النيجر، حيث يحتاج نموذج تصحيح الخطأ (ECM) لتراجع معدل الغذاء إلى توافر إحصاءات مؤثرة حول السكان والحكومات والمجتمع الدولي. واستنادا إلى البيانات المجمعة ما بين عامي 1968 و 2014، تبقى أزمة الغذاء في النيجر مستمرة بسبب الظروف المناخية الزراعية والاقتصادية والسياسية السيئة بالإضافة إلى عدم قدرة الحكومة على تنفيذ سياسات جريئة، وانعدام الإرادة لدى المجتمع الدولي لتوفير المساعدات الغذائية الكافية في الوقت المناسب. وعليه، فإن النتيجة الرئيسية المثيرة للدهشة هي أن السكان لا يكاد يذكر لهم تأثير على مستوى الحلول الممكنة في الأزمات الغذائية التي تبقيهم في أدنى مستويات البقاء على قيد الحياة.

أما المقال الرابع فيتناول الجانب العملي والأمني المتعلق بأنظمة المعلومات المحاسبية (AIS) في البنوك التجارية اليمنية. ويستخدم منهج وصفي تحليلي بناء على البيانات المجمعة من خلال استبيان وُزع على المديرين والمتخصصين في أقسام المالية وتكنولوجيا المعلومات والتدقيق الداخلي للحسابات. وتوصلت الدراسة إلى وجود منصة سحابة جوجل (GCP) استنادا إلى الإجراءات التنظيمية للمراقبة والأمن والحماية في الحفاظ على أنظمة المعلومات المحاسبية. كما تشجع إدارة البنوك التجارية على إيلاء الاهتمام بمنصة سحابة جوجل ذات المستوى العالي في أنظمة المعلومات المحاسبية.

ويبحث المقال الخامس في مسألة وجود فرضية التخفيف الضريبي في اقتصادين ناشئين، أي جنوب إفريقيا وتركيا، بدراسة العلاقة بين فائض الموازنة والنفقات الحكومية. وتظهر نتائج الدراسة أن انحراف الضرائب والتخفيف منها أمران شائعان في السياسات المالية للاقتصادين.

ويدرس المقال السادس مدى تأثير إنتاج النفط على ربحية البنوك الإسلامية بناء على بيانات مستقاة من 81 مصرفا من عدد من الدول الإسلامية وتغطي الفترة ما بين عامي 2006 و 2015. وقد استخدمت الدراسة نموذج طريقة اللحظات المعممة الديناميكية وتوصلت إلى أن نسبة 4.2-4.8% فقط من ربحية البنوك الإسلامية تفاعلت بشكل مباشر مع التغير في أسعار النفط. وفي المقابل، تفاعلت نسبة 46-60% من ربحية البنوك الإسلامية بشكل غير مباشر مع التغير في أسعار النفط من خلال عوامل الاقتصاد الكلي.

ويتناول المقال السابع والأخير التحصيل الأمثل للزكاة في إندونيسيا من خلال نموذج الاستخدام الأمثل القائم على تحليل مغلف البيانات - نموذج تخصيص الموارد (DEA-RAM). ويتعين على مؤسسات الزكاة، وحتى الحكومة باعتبارها جهة تنظيمية، أن يكون لديها تركيزا واضحا على البرامج القائمة على تمكين الفقراء في توفير رؤوس الأموال اللازمة لهذا الغرض. ومن المتوقع أن تخلق شروطا معينة لمنع الإفراط في تخصيص الأموال لبرامج تقديم الخدمات الخيرية.

نبيل دبور

رئيس التحرير

 

مقالات مجلة التعاون الاقتصادي والتنمية، المجلد 41 العدد 2 (2020)